محمد جواد مغنية
27
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
ولكن النص في اصطلاح الكثير من أهل العلم بالفقه وأصوله هو اللفظ الذي لا يتطرق اليه احتمال مضاد مثل قوله تعالى : « وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا - 32 الإسراء » . أما الظاهر فيتطرق اليه هذا الاحتمال مثل « أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا » حيث نحتمل أن بيع الحصى والملامسة محرمان « 1 » . وأيضا نحتمل أنه لا ربا بين الآباء والأبناء ، ولكن العلماء كلهم أو جلهم اتفقوا على أن العمل بظاهر اللفظ هو الأصل والأساس في الخطابات الشرعية والعرفية حتى يثبت العكس ، وبهذا نلغي كل احتمال مضاد ، نلغيه من حيث العمل والتأثير . لأن ظاهر الكلام يجسد إرادة المتكلم ، ويجعلها بحكم عمله يستحق عليها الثواب والعقاب بعد أن أعلنها بواسطة اللفظ ونقلها من عالم الداخل إلى عالم الخارج . وتسمى هذه الإرادة الإرادة الظاهرة حيث تمّ التعبير عنها بالكلام ، وهي بطبيعتها تكشف عن الإرادة الحقيقية التي تدور الأحكام مدارها وجودا وعدما . ومن هنا يدرس علماء النفس اللغة كمظهر أساسي من سلوك الانسان ، وإلى هذا يومئ قول الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « من علم أن كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه » . وتسأل : هل العمل بظاهر اللفظ هو الأصل مطلقا حتى ولو لم يحصل الظن بمراد المتكلم ، أو بشرط وجوده وحصوله بحيث يكون الظاهر لغوا مع عدم الظن . الجواب : إن الركون إلى هذا الأصل يستند إلى وجود الظاهر ، لا إلى وجود الظن الناشئ من الظاهر أو غيره . والدليل القاطع على ذلك ان المخاطب بظاهر الكلام يجب عليه شرعا وعرفا وعقلا أن يسمع ويطيع على كل حال ، ولا يسوغ له أن يخالف ما ظهر إلى غيره متذرعا بعدم حصول الظن وحدوثه ، وإذا خالف الظاهر وعصاه استحق الذم والعقاب ، كما أنه إذا أطاعه استحق المدح والثواب ، وان لم يحصل له الظن ، أو حصل الظن المعاكس . ومن هنا رأينا العلماء قديما وحديثا يأخذون بعموم العام وإطلاق المطلق وبكل
--> ( 1 ) بيع الحصى أن يقول البائع للمشتري بعتك ما تقع عليه حصاؤك بكذا إذا رميت بها . وبيع الملامسة أن يقول : إذا لمست المبيع فقد وجب البيع . وكان هذان البيعان في الجاهلية ، ونهى عنهما الإسلام .